مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

181

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

والخلاصة : أنّ الروايات متظافرة على أنّ الأموات يسمعون كلام الأحياء ويأنسون بهم . نعم ، سماعهم ليس سماعاً حسّياً بآلة السمع والاذن ، بل هو سماع برزخي ، وتوضيحه يتكفّله علم الكلام « 1 » . وممّا تقدّم يتّضح بطلان ما ذهب إليه الوهابيون من أنّ التوسّل بالموتى ممّن ثبتت مكانتهم عند اللَّه ، ورفع الحوائج إليهم خطاب للمعدوم وهو قبيح عقلًا ؛ لعدم قدرة الميّت على الإجابة ، فإنّهم خالفوا الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين ، فلا يكون الالتجاء إليهم لغواً وعبثاً « 2 » . وأمّا دعواهم من أنّ التوسّل بالموتى ممّن ثبتت مكانتهم عند اللَّه شرك ؛ مستدلّين لذلك ببعض الآيات « 3 » ، كقوله تعالى : « وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ » « 4 » ، فالجواب عنها : أنّ هذه الآيات باتّفاق المفسّرين واردة في خصوص الكفّار والمشركين العاكفين على أصنامهم ، بزعمهم أنّ البدائع السماوية مفوّضة إلى الكواكب التي على صورتها تلك الأصنام حسب تخيّلهم ، فأبطل اللَّه دعواهم بأنّ تلك الأصنام جماد ليس من شأنها السماع ، ولا تتمكّن من إجابة الدعوة .

--> ( 1 ) العوالم التي يمرّ بها الإنسان أربعة : أ - عالم الأجنّة ( الجنين ) . ب - عالم الدنيا . ج - عالم البرزخ . د - عالم الآخرة . فالأوّلان عشناهما ، والآخران أخبرتنا بهما الشريعة ، وقد دلّ كثير من الآيات والروايات على العالم البرزخي ، فمن جملتها قوله تعالى : « حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » . المؤمنون : 99 ، 100 . وقوله تعالى : « وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ » . غافر : 45 - 46 . فإنّ الآخرة ليس فيها غدوّ وعشيّ ، بل إنّما ذلك في البرزخ وقبل يوم القيامة كما هو صريح الآية . وأمّا السنّة فقد ورد فيها مستفيضاً ما يدلّ على الحياة البرزخيّة ، كما أشرنا إلى بعضها في المتن . انظر : الميزان 1 : 347 - 350 . ( 2 ) انظر : البراهين الجلية : 31 - 36 . ( 3 ) منهاج السنّة 1 : 11 . ( 4 ) فاطر : 13 ، 14 .